رفعت راسي وسألته: — طب إنت ليه مجتش الشركة؟ ليه مطلبتش تقابلني؟ ابتسم وقال: — علشان أنا يوم ما ساعدتك، مكنتش مستني منك مقابل يا ابني. وبعدين حط إيده على كتفي. — وبعدين، أنا كنت فاكر إنك لو عرفت إني محتاج، هتفتكرني لوحدك. الكلام وجعني أكتر من أي إهانة سمعتها في حياتي.
خرجت من الأوضة وأنا مش قادر أتنفس. وقفت في الحارة الضيقة، وسندت على الحيطة. الشغالة خرجت ورايا. كانت فاكرة إني زعلان منها. وقالت بخوف: — يا بيه، أنا آسفة لو اللي حصل ضايق حضرتك. والله أنا مكنتش أقصد أعمل مشاكل. بصيتلها. لأول مرة أشوفها بعيد عن يونيفورم الشغل والقوانين والأوامر.
كانت بنت بسيطة، شايلة هم بنتها وهم ناس كتير غيرها. قولتلها: — إنتِ بتعتذري عن إيه؟ اتلخبطت. — علشان… قاطعتها: — أنا اللي لازم أعتذرلك. فتحت عينيها بدهشة. كملت: — أنا أهنتك قدام الناس، وأجبرتك ترمي العيش، وإنتِ كنتِ بتحاولي تطعمي ناس جعانة.
دموعها نزلت. وقالت: — أنا مش زعلانة على نفسي يا بيه… أنا كنت زعلانة على العيش. الجملة دي كسرت آخر حتة غرور جوايا. طلعت موبايلي واتصلت بمدير المصنع. رد بسرعة: — أيوه يا فندم، تحت أمرك. قولتله: — عايز عربية محملة عيش طازة وأكل جاهز، وتيجي على العنوان اللي هبعتهولك.
استغرب. — دلوقتي يا فندم؟ — أيوه، دلوقتي. — الكمية قد إيه؟ بصيت ناحية البيت القديم. وقولتله: — كمية تكفي كل اللي هنا أسبوع كامل، ومعاها لبن وجبنة وفاكهة ومية. قال: — حاضر يا فندم. وقبل ما يقفل، قولتله: — واستنى… عايز دكتور ييجي يكشف على الناس كلها، واللي محتاج مستشفى يتنقل فورًا.
الشغالة كانت واقفة جنبي، ومش مصدقة اللي بتسمعه. وقالت: — ربنا يجازيك خير يا بيه. بصيتلها وقلت: — متشكرنيش… أنا لسه معملتش حاجة. بعد حوالي ساعة، وصلت عربية كبيرة محملة بالأكل. الناس بدأت تتجمع عند الباب. الست العجوز اللي كانت باست رغيف العيش، وقفت وهي بتستند على عصاية.
وقالت وهي بتعيط: — هو كل ده لينا؟ هزيت راسي. — أيوه يا أمي، كله ليكم. رفعت إيديها للسما. — ربنا يفتحها عليك يا ابني، زي ما فتحتها علينا. حسيت بحاجة غريبة في صدـ,,ـــري. كنت بسمع الدعوات دي لأول مرة من ناس فعلًا محتاجة.
مش من موظفين بيجاملوني. ولا من ناس بتشكرني علشان مصلحة. لكن من قلوب كانت جعانة، ولقت أكل. رجعت للراجل العجوز وقعدت جنبه. قولتله: — أنا عايز آخدك معايا البيت. بصلي باستغراب.
— بيتك؟ — أيوه، هتقعد عندي، وهتتعالج، وهترتاح. ابتسم وقال: — ربنا يكرمك يا ابني، بس أنا مش هسيب الناس دي. قلت بسرعة: — مش هسيبهم أنا كمان. لكن الراجل هز راسه.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.