قعدت قدام أبويا في مكتب المحامية. كان لأول مرة شكله مش الراجل المسيطر اللي طول عمري بخاف أعارضه. قلت: — ليه؟ قال: — كنت خايف. — من إيه؟ — إن كل حاجة تتفتت. ضحكت بحزن. — فقررت تفتت العيلة بدل الشركة؟ ما ردش. قلت: — أنا عمري ما كنت محتاجة فلوسك يا بابا.
كنت محتاجة تحترم اختياراتي. رفع عينه. — أنا آسف. الكلمة كانت صعبة عليه. وأنا عارفة. لكن الاعتذار مايمسحش سنين. قلت: — هسامحك لأنك أبويا… بس مش معنى إني سامحت إن كل حاجة ترجع زي الأول. تمت تسوية الحقوق قانونيًا.
رجعت حصة ياسين اللي أثبتتها المستندات. وأنا استلمت حقي. أما أبويا، فاحتفظ بحصته القانونية وإدارة جزء من النشاط بعد إعادة هيكلة الشركة. لكن الغريب… إن بعد انتهاء كل حاجة، حسيت إن فيه حاجة ناقصة. ياسين. عدّى شهرين. ولا مرة حاول يرجع. كنت أفتح رقمه وأقفله. أكتب رسالة وأمسحها.
لحد يوم عيد ميلادي الـ35. اليوم اللي بدأت بسببه الحكاية كلها. أبويا وأمي عملولي عشا صغير. وأثناء ما إحنا قاعدين، أبويا قال:— فيه حد بره مستنيكي. خرجت. لقيت ياسين واقف قدام البيت. مش ببدلة. ولا بهدوم الراجل المشرد. كان لابس عادي جدًا.
لأول مرة أشوفه من غير شخصية مستخبية وراها. قلت: — جاي ليه؟ قال: — أقولك كل سنة وإنتِ طيبة. — بس؟ ابتسم. — بس. لف علشان يمشي. قلت: — ياسين. وقف. قربت منه. — ليه ماحاولتش تكلمني؟ قال: — لأن أول مرة دخلت حياتك أنا اللي اخترت الطريقة… المرة دي كان لازم الاختيار يبقى ليكي.
قلت: — ولو اختياري إننا ننفصل؟ بصلي بثبات. — هوافق. — ولو طلبت منك نبدأ من جديد؟ سكت. قلت: — مش الجوازة القديمة. دي بدأت بكدبة مني وانتقام منك. عينيه لمعت. قلت: — أنا بتكلم عن بداية حقيقية. سألني: — وإنتِ عايزة ده؟
بصيت له وقلت: — لسه مش عارفة إذا كنت بحبك كفاية… ولسه زعلانة منك… ولسه الثقة محتاجة وقت. ابتسم. — دي أصدق جملة قلتيها من يوم ما قابلتيني. ضحكت. — وأنا مش هسامحك بسرعة. — براحتك. — ومفيش أسرار تاني. — مفيش. مد إيده. لكني ماخدتش إيده. قلت: — الأول عندي سؤال.
— قولي. — يوم ما قابلتك… لو أنا ماعرضتش عليك الجواز، كنت هتعمل إيه؟ ابتسم وقال: — كنت هفضل مستني فرصة أقابل أبوكي. — يعني أنا كنت مجرد طريق؟ سكت لحظة. — في أول دقيقة… آه. ثم قرب خطوة. — بعد أول أسبوع… لأ.
بصيت له فترة. وبعدين أخيرًا مددت إيدي. — يبقى نبدأ من أول وجديد. مسك إيدي. لكن الحكاية ماخلصتش هنا. لأن أبويا كان واقف عند الباب بيتفرج علينا. ولأول مرة… ماقالش رأيه. مافرضش قرار. ماقالش أتجوز مين ولا أسيب مين. اكتفى إنه ابتسم ورجع جوه.
وساعتها فهمت إن يمكن أكبر حاجة اتغيرت في حياتنا… ماكانتش الفلوس. كانت إن كل واحد فينا أخيرًا اتعلم إن الحب مايديش حد الحق يتحكم في حياة التاني. يتبع إلى الفصل الأخير… بصيت لأمي وأنا حاسة إن الكلام أكبر من قدرتي على الاستيعاب. — يعني إيه نصيبي أكبر؟
أبويا ضــ,,ـــــرب كف بكف وقال بعصبية: — منى، الموضوع ده مش وقته! لفيت له: — بالعكس… ده وقته من سنين، بس إنت اللي قررت ماتتكلمش. أمي مسحت دموعها وقالت: — جدك، أبويا أنا ومحمود، كان عنده أرض كبيرة ومخزن قديم.
لما فؤاد ومحمود بدأوا مشروعهم، جدك باع جزء من الأرض ومولهم. ياسين قال: — وكتب مقابل الفلوس نسبة ملكية. أمي هزت راسها. — وبعد وفــ,,ـــــاه محمود، حصل خلاف كبير. وياسين كان صغير، وأمه أخدته وسافرت. سألتها: — وأنا مالي؟ سكتت. قلت بعصبية: — ماما، كملي!



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.