اجتماعات، وصفقات، وسفر، ومكالمات. وكنت فاكر إن توفير أحسن رعاية طبية وأغلى أدوية كفاية علشان أكون ابن بار بأمه. مكنتش أعرف إن أمي كانت محتاجة حاجة تانية خالص. في يوم، وأنا نازل من مكتبي اللي في الدور التاني، سمعت صوت مدبرة البيت عالي عند البوابة.
— استني عندك! افتحي الشنطة دي! وقفت مكاني وبصيت من الشباك. لقيت الشغالة واقفة قدام البوابة، وشايلة شنطة قماش صغيرة. ومدبرة البيت ماسكة الشنطة وبتشدها من إيدها. نزلت بسرعة، وسألت بعصبية: — فيه إيه؟ إيه الدوشة دي؟ مدبرة البيت بصتلي وقالت: — اتفضل شوف بنفسك يا بيه!
الهانم كانت خارجة بحاجات من البيت من غير إذن! الشغالة وشها احمر من الكسوف. وقالت بسرعة: — والله يا بيه، أنا مخدتش حاجة تخص حد! مدبرة البيت فتحت الشنطة وطلعت منها ست أرغفة عيش. كانوا ملفوفين في فوطة نظيفة. وقالت بانتصار: — أمال دول إيه؟! بصيت للعيش، وبعدين بصيت للشغالة.
— إنتِ مش عارفة قوانين البيت؟ ردت بصوت واطي: — عارفة يا بيه. — وأخدتي العيش ليه؟ سكتت لحظة، وبعدين قالت: — ده العيش اللي فضل من الفطار، والطباخة كانت هترميه. قلت بحدة: — وأنا مالي كان هيترمي ولا لأ؟ القانون واضح! رفعت عينيها وبصتلي.
وكانت أول مرة أشوف في عينيها النظرة دي. مش خوف. كان فيها وجع، وعتاب، وحاجة شبه الاستغراب. وقالت: — بس يا بيه، العيش ده لسه طري ونضيف، وفيه ناس بتستنى لقمة زيه طول اليوم. كلامها استفزني. حسيت إنها بتتهمني بالبخل قدام العاملين. خصوصًا إن السواق والطباخة والبواب كانوا واقفين بيتفرجوا.
فقلت بصوت عالي: — اسمعي يا بنت إنتِ! أنا مش محتاج حد يعلمني أعمل إيه في بيتي! العيش ده يترمي حالًا، ولو مش عاجبك، تقدري تسيبي الشغل! مدبرة البيت ابتسمت ابتسامة صغيرة. أما الشغالة، ففضلت واقفة ثواني، كأنها مستنية إني أغير رأيي.
لكن أنا أشرت ناحية صندوق الزبالة. — يلا! فتحت الشنطة بإيديها اللي بدأت تترعش. ومسكت أول رغيف. بصتله لحظة، وبعدين حطته في الصندوق. وبعده التاني. والتالت. والرابع. ومع كل رغيف، كنت بحس إنها بتتألم أكتر. لحد ما وصلت للرغيف السادس. فضلت ماسكاه بين إيديها، وبصتله كأنها بتودع حاجة غالية عليها.
وفجأة نزلت دمعة على خدها. مسحتها بسرعة، ورمت الرغيف. وبعدين طبقت الفوطة ومدتها لمدبرة البيت. — الفوطة دي كمان بتاعة البيت. وشالت شنطتها الفاضية ومشيت. من غير ما تقول كلمة زيادة. بصيت في ساعتي. كان عندي مكالمة مهمة مع مستثمر أجنبي.
فقلت لمدبرة البيت: — خلي بالك من الموضوع ده، ومش عايز يتكرر. ومشيت. لكن وأنا داخل الفيلا، رفعت عيني بالصدفة ناحية بلكونة أمي. لقيتها واقفة ورا السور، وبتعيط. بصتلي بنظرة عمري ما هنساها. كانت نظرة أم شايفة ابنها بيعمل حاجة غلط، ومش قادرة تمنعه.
ناديت عليها: — مالك يا أمي؟ لكنها دخلت أوضتها من غير ما ترد. بالليل، كنا قاعدين على سفرة العشا. السفرة كانت مليانة أصناف. فراخ مشوية، ولحمة، وشوربة، وسلطات، وعيش طازة. وأنا كالعادة كنت باكل بسرعة، وعيني على الموبايل. أمي كانت قاعدة قصادي، وساكتة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.