! ردت بهدوء: — بنتي الحمد لله بتاكل كل يوم يا بيه… لكن فيه ناس مش لاقية حتى رغيف ناشف. الجملة دي خلتني أسكت. مش عارف ليه. يمكن علشان قالتها ببساطة شديدة. ويمكن علشان حسيت لأول مرة إن البنت دي عندها حاجة أنا مش فاهمها.
رجعتلها الإيصالات وقلت: — اتفضلي امشي. شالت الشنطة، وشكرتني، وخرجت. لكن وأنا بتابعها بعيني، لاحظت حاجة غريبة. كانت ماشية بسرعة، وحاضنة الشنطة لصدـ,,ـــرها كأنها شايلة طفل صغير. ولما بعدت شوية، وقفت تحت شجرة، وطلعت موبايل قديم من جيبها. اتكلمت ثواني. وبعدين سمعتها من بعيد بتقول: — متقلقوش… أنا جاية، والعيش معايا.
وقتها حسيت إن لازم أعرف الحقيقة. دخلت الفيلا، لكن معرفتش أقعد. فضلت أفكر في كلامها. مين الناس اللي مستنيين العيش؟ وليه كانت مستعدة تتطرد من شغلها علشانهم؟ وإزاي واحدة مرتبها بسيط تقدر تصرف بالشكل ده؟ نزلت تاني وطلبت السواق. قلتله: — هات العربية بسرعة. استغرب. — خير يا بيه؟ — هنمشي ورا الشغالة.
بصلي بدهشة. — وراها ليه؟ — عايز أعرف بتروح فين. اتردد لحظة، وبعدين قال: — يا بيه، البنت دي غلبانة ومحترمة، وعمرها ما عملت حاجة غلط. قلت بعصبية: — أنا مش بسألك عن رأيك فيها! نفذ اللي بقولك عليه. ركبنا العربية. وكانت الشغالة لسه ماشية على الرصيف في آخر الشارع.
قلتله: — خليك بعيد عنها، مش عايزها تحس بينا. بدأنا نمشي وراها. في الأول افتكرت إنها رايحة بيتها. لكنها عدت من شارع لشارع، ودخلت مناطق أنا عمري ما دخلتها قبل كده. كل ما كنا بنتقدم، شكل البيوت كان بيتغير. العمارات الفخمة اختفت. والشوارع الواسعة بقت حارات ضيقة.
والعربيات الحديثة اختفت، وظهر بدلها عربيات قديمة وعربات كارو. والبيوت بقت صغيرة، وشبابيكها مكسورة، وحيطانها محتاجة ترميم. كنت ببص من الشباك باستغراب. مع إني صاحب شركة بتبيع منتجاتها في كل مكان، عمري ما تخيلت إن فيه ناس عايشة بالظروف دي على بعد مسافة مش كبيرة من الفيلا بتاعتي.
فجأة الشغالة وقفت قدام فرن صغير. دخلت، وخرجت بعد دقايق ومعاها كيسين عيش زيادة. السواق بصلي في المراية. — شكلها بتشتري عيش تاني يا بيه. قلت: — شايف. لكن اللي حصل بعدها كان أغرب.
وقفت قدام محل بقالة صغير، وطلعت من شنطتها شوية فلوس. اشترت علبتين جبنة، وكيس تمر، وزجاجات مية. وبعدين كملت مشي. سألت السواق: — هي بتعمل إيه بكل ده؟



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.