لاحظت إنها مسكت رغيف عيش صغير، ولفته في منديل، وحطته في جيب البلوفر. استغربت وسألتها: — بتعملي إيه يا أمي؟ بصتلي كأنها اتقفشت وهي بتعمل حاجة ممنوعة. وبعدين ابتسمت ابتسامة بريئة. — بخبي رغيف يا حبيبي. — ليه؟ قربت إيدها من جيبها وقالت: — علشان الشباك.
افتكرت إنها بتتكلم كلام مش مترابط بسبب النسيان. فسألتها: — شباك إيه؟ بصت ناحية الشباك الكبير اللي بيطل على الجنينة. وقالت بهدوء: — زمان كان فيه ناس بتستنى تحت الشباك، فاكر؟ هزيت راسي. — ناس مين يا أمي؟ لكنها فجأة ابتسمت وسألتني: — إنت رجعت من المدرسة يا حبيبي؟
عملت الواجب؟اتنهدت. — أيوه يا أمي، عملته. ورجعت أبص في الموبايل. لكنها فضلت ماسكة جيبها طول العشا، كأنها خايفة حد ياخد منها الرغيف. تاني يوم حصلت حاجة غريبة. كنت راجع من الشركة بدري على غير العادة. ولما وصلت الفيلا، لقيت مدبرة البيت واقفة عند البوابة، وبتنادي عليّا.
— يا بيه! الحمد لله إن حضرتك جيت! تعالى شوف اللي بيحصل! نزلت من العربية، ولقيت الشغالة واقفة تاني، ومعاها نفس الشنطة. لكن المرة دي كانت مليانة عيش أكتر من امبارح. مدبرة البيت قالت بشماتة: — شوفت؟! قولتلها امبارح ممنوع، وبرضه مصممة تاخد العيش! بصيت للشغالة بغضب. — هو إنتِ بتتحديني؟
لكنها المرة دي مردتش بخوف. حطت الشنطة على الأرض، وطلعت من جيبها ورقتين صغيرين. ومدتهم ليا. — دول إيصالات الشراء يا بيه. مسكت الورقتين. كانوا من مخبز قريب. واحد بتاريخ امبارح، والتاني بتاريخ النهارده. والمبلغ المكتوب في كل إيصال مش قليل بالنسبة لمرتبها. سألتها: — إنتِ اشتريتي كل العيش ده من فلوسك؟
هزت راسها. — أيوه يا بيه. — وليه؟ سكتت. قلت بحدة: — أنا بسألك، بتشتري كل الكمية دي ليه؟ قالت: — علشان فيه ناس مستنياها. — ناس مين؟ بصت للأرض. — ناس وعدتهم إن العيش هيوصلهم كل يوم. مدبرة البيت اتدخلت: — يعني إيه ناس مستنياها؟! دي أكيد بتعمل حاجة من ورانا!
وفجأة السواق، اللي كان واقف جنب العربية، قال: — ما دام العيش من فلوسها، يبقى من حقها تعمل بيه اللي هي عايزاه. بصيتله بحدة. — محدش طلب رأيك! سكت فورًا. لكن الشغالة رفعت راسها وقالت: — أنا مش بسرق يا بيه، ومش بعمل حاجة حرام.
ولو حضرتك مش عايزني أشتغل هنا، أنا مستعدة أمشي، بس أرجوك متمنعنيش أخد العيش اللي اشتريته من فلوسي. كان في صوتها إصرار غريب. إصرار خلاني أحس إن الموضوع أكبر من مجرد شوية عيش. سألتها: — هو إنتِ عندك بنت؟ اتغيرت ملامحها فجأة. — أيوه يا بيه. — عندها كام سنة؟ — سبع سنين.
— وأبوها؟ بلعت ريقها. — ربنا يرحمه. سكت لحظة. وبعدين سألتها: — وبتصرفي عليها من مرتبك؟ — أيوه. بصيت تاني لإيصالات الشراء. وقلت باستغراب: — يعني إنتِ عندك بنت يتيمة مسؤولة منك، وبتصرفي جزء كبير من مرتبك على عيش لناس تانية؟!
ردت بهدوء: — بنتي الحمد لله بتاكل كل يوم يا بيه… لكن فيه ناس مش لاقية حتى رغيف ناشف. الجملة دي خلتني أسكت. مش عارف ليه. يمكن علشان قالتها ببساطة شديدة. ويمكن علشان حسيت لأول مرة إن البنت دي عندها حاجة أنا مش فاهمها.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.