علشان طوال سنتين وتلات شهور، كنت باخد قرارات وحدي، وكنت بدفع وحدي، وكنت بشيل هم البيت والشغل والعلاج وحدي. لما طلبت منك ترتب جدول مع أخوك محمود ومراته، قلت لي إن شغلك أهم، ومحمود قال إن محله أولى، ومنى قالت إن بيتها وبنتها خط أحمر.
طيب وأنا؟ شغلي، وصحتي، وأعصابي، ومالي.. دول مش خط أحمر؟! منى قالت إنها في العيون، وأهو الشارع كله قدامها، ومراتها التانية قاعدة وفاضية، تخليها تيجي تخدمها وتسمع كلامها اللي بيطيب خاطرها.»الحاجة نادية بدأت تضرب بمواكحها على السرير وقالت بصوت متهدج يملؤه الغضب والتمثيل:ـ «شايف يا أحمد مراتك؟
! بتعايرني بالفلوس! بتعد عليا اللقمة والخدمة! دي قاسية القلب، مفيش في قلبها ذرة رحمة لأم جوزها العجوز المكسورة!»أحمد حاول يمسك ذراع سارة ليمنعها من التحرك، وقال بحدة:ـ «مش هتمشي سيبي الشنطة دي، وتعالي اعتذري لأمي حالاً، وبعدين نشوف موضوع الست فاطمة ده.
»سارة سحبت ذراعها ببطء وثبات، ونظرت في عيني زوجها نظرة جعلته يصمت تماماً:ـ «أنا لا هعتذر عن الحقيقة، ولا هقعد في مكان كرامتي فيه بتدوس عليها ست جاهلة بجميل، وولد ناكر لتعبي. تصبحوا على خير، وأنا وابني رايحين عند أهلي النهاردة.
»في اليوم التالي، كانت الشقة مقلوبة رأساً على عقب. محمود تلقى اتصالاً عاصفاً من أحمد في الصباح الباكر يخبره بما حدث، وطالب منه أن يأتي هو ومراته منى فوراً لتولي الأمور لأن سارة غادرت المنزل مع ابنها.
منى، التي اعتادت على الزيارات الخاطفة التي لا تتجاوز النصف ساعة، وجدَت نفسها في مأزق حقيقي. اضطرت لأن تترك بيتها وبنتها وتأتي إلى شقة الحاجة نادية مرتدية عباءة "الكنة البارة المخلصة" التي رسمتها لنفسها طوال السنوات الماضية.
ما إن دخلت منى الشقة، حتى استقبلتها الحاجة نادية بالدموع والشكوى:ـ «شفتي يا منى اللي عملته الحرباية سارة؟ سبتني ورمتني أنا وابنك كأننا قطعة إثاث قديمة، علشان فلوس، دي ست طماعة!»منى كانت تبتسم باصطناع، وتقول وهي تطبطب على رأس حماتها:ـ «معليش يا ماما، سيبينا من سارة وطريقتها، أنا جيت أهو وهعمل لك احلى فطار وأرتب لك كل حاجة، ولا تشيلي هم خالص.
»لكن الواقع كان مختلفاً تماماً عما تخيلته منى. الساعة الحادية عشر صباحاً، بدأت الحاجة نادية تطلب دواء الضغط الخاص بها. ـ «يا منى، علبة الدواء الزرقاء اللي على التسريحة، هاتيها بسرعة مع كوباية مياه دافية.
»دخلت منى غرفة النوم، وفتحت الدرج، لتفاجأ بوجود عشرات العلب الفارغة والأدوية المتنوعة، ولم تستطع تمييز الدواء المطلوب من بينها. عادت لتقول بقلق:ـ «يا ماما، الأدوية كتيرة ومش مكتوب عليها، فين دواء الضغط بالضبط؟»ـ «إنتِ مش عارفة؟! سارة كانت بتعرف تطلع الدواء في ثانية! اسألي أحمد يمكن يعرف.
»أحمد لم يكن في البيت، فقد ذهب لعمله وهو في أشد حالات التوتر والغضب بسبب ذهاب سارة واستحالة تواصله معها. وعند الساعة الواحدة ظهراً، احتاجت الحاجة نادية لتغيير وضعيتها وجلوسها بعد أن تيبس جسدها، فطلبت من منى مساعدتها في النهوض للذهاب إلى الحمام.
منى، التي لم تمارس هذا النوع من الجهد البدني في حياتها، حاولت جذب حماتها من ذراعها، فصرخت الحاجة نادية بألم شديد:ـ «آه يا رجلي! إنتِ بتشديني غلط يا منى! دراعي اتخلع!»ـ «يا ماما أنا مش عارفة أعمل إيه، إنتِ تقيلة وصعبة الحركة، وكنتِ معتمدة على طنط فاطمة وسارة اللي عندهم خبرة!



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.