»مع حلول المساء، كان البيت عبارة عن ساحة معركة مصغرة. المطبخ لم ترتبه منى، والأكل لم يُجهَّز بالشكل الصحيح الذي يناسب حمية الحاجة نادية الطبية، والحاجة نادية نفسها كانت غاضبة ومتألمة، وتشعر بالحسرة لأن "الكنة المثالية" التي كانت تمدحها أثبتت عجزها التام في أول اختبار حقيقي.
في المقابل، كانت سارة في منزل عائلتها تجلس بهدوء مع ابنها، تشرب الشاي مع والدتها، وتستمتع لأول مرة منذ سنتين بيوم هادئ لا يحمل في طياته جدول أدوية صارم ولا مشاحنات صامتة. هاتفها لم يتوقف عن الرنين.
أحمد اتصل أكثر من عشرين مرة، ومحمود أرسل رسائل يرجوها أن تعود لأن الأمور "خرجت عن السيطرة تماماً"، وأن منى تبكي ولا تستطيع الاستمرار هكذا. سارة لم ترد على أي اتصال. كانت تترك الهاتف على الطاولة وتستمع إلى ابن وهو يحل واجباته المدرسية بضحكة صافية افتقدتها طويلاً.
في تمام الساعة العاشرة مساءً، فتح باب الشقة عند أهل سارة، ودخل أحمد ووجهه شاحب ومجهد تماماً، وبدا عليه الانهيار من كثرة الضغوط. جلس أحمد على الكرسي المقابل لسارة، وبصوت خافت ومكسور قال:ـ «أنا آسف يا سارة.. العيلة كلها اتبهدلت في يوم واحد.
أمي منهارة وعمالة تعيط وعايزاكي، ومنى مش قادرة تعمل حاجة وقالت إنها مش هتقدر تقعد أكتر من كده، ومحمود اتخانق معايا لأن مراته رافضة تكمل اليوم كله.»سارة وضعت كوب الشاي بهدوء، ونظرت إليه نظرة ثابتة لا توحي بأي غضب، بل بالهدوء المطلق:ـ «جيت ليه يا أحمد؟
ما تطلب من منى اللي قلبها حاسس بمامتها تكمل معاها؟ مش هي الوحيدة اللي بتفهمها ومش زي ناس تانية؟»ـ «أرجوكي يا سارة بلاش السخرية دي.. أنا اعترفت بغلطي، وكنت أناني لأني استغليت طيبتك وسكوتك.
أمي غلطت وعرفت غلطتها لما شافت بعينها مين اللي بيخدم بجد ومين اللي بييجي بكلمتين حلوين وعلبة لبن.»سارة وقفت وقالت بصوت صارم وحاسم:ـ «أنا مش هرجع غير بشروط واضحة، وشروط غير قابلة للنقاش:أولاً، مصاريف رعاية والدتك تتقسم بالتساوي التام بينك وبين أخوك محمود، قرش زيادة مش هدفع، والشغل اللي كنت بعمله بفلوسي هيتعمل بفلوسكم أنتم الاتنين.
ثانياً، طنط فاطمة ترجع لشغلها بكرة الصبح، وبمرضيتها الكاملة، وأنا ماليش دعوة بخدمة شخصية مباشرة ليها تاني، دوري هيكون ابنة متى وبارة بزيارات محترمة وبس، زي أي زوجة طبيعية مش خدامة في بيت عيلتها. ثالثاً، أمك تعتذر عن الكلام اللي قالته في حقي قدام منى، وتعرف كويس مين اللي كان شايلها وقت الشدة ومين اللي كان بيبيع كلام.
»أحمد بلع ريقه بصعوبة، وكان يعلم تماماً أن ليس لديه أي خيار آخر. فقد أدرك أخيرًا أن الذهب الحقيقي لا يُقدر إلا بعد أن يضيع، وأن سارة التي تحملت كل هذا القهر قادرة تماماً على بناء حياتها دونه إن لزم الأمر.
ـ «موافق يا سارة.. موافق على كل كلمة قلتِها.»ابتسمت سارة ببرود، وسحبت معطفها وقالت:ـ «بكرة الصبح يا أحمد، كل واحد هياخد مكانه الصح.»



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.