إلا أن أحمد، الذي كان مصادفة جالسًا في الصالة وقتها، لم يستطع السكوت. انتفض من مكانه وقال بحدة نادرة:ـ «قصدك إ ايه يا منى بالكلمتين دول؟ سارة مش بتمن على حد، واللي بتدفعه دلوقتي بندفعه أنا ومحمود بالتساوي وبأمر القانون العائلي اللي المفروض من زمان كان يحصل!
عيب الكلام ده، ولو مش عاجبك النظام، الباب يفوت جمل.»محمود تدخل سريعًا لتهدئة الموقف، ونظر إلى زوجته بغضب محذرًا إياها من التمادي:ـ «بس يا منى.. بطلي الكلام الفارغ ده! أحمد عنده حق، وإحنا قفلنا على الموضوع ده من زمان.
»لكن منى، التي أعمى الغل بصيرتها وشعرت بأن مكانتها المزيفة عند الحاجة نادية قد انتهت للأبد، لم تحمل نفسها على الصمت، وقالت بصوت عالٍ نسبياً:ـ «لا مش هسكت يا محمود! أنا مش هفضل قاعدة في البيت هنا أتهزأ وأنا ساكتة، بينما الهانم قاعدة في أوضتها ملكة متزهدة، وأمك اللي كانت بتشيلني فوق راسها بقت دلوقتي ماشية على خط سارة والأوامر الجديدة!
»هنا خرجت سارة من الغرفة بهدوء تام، ووقفت أمام منى مباشرة، ونظرت إليها بعينين ثابتتين لا تعرف الخوف ولا الارتباك:ـ «يا منى، لو جيتي هنا علشان تدوري على مشاكل وتفرغي سموم غيرتك، فالعنوان غلط تماماً. أنا ما جيتش على حقوق حد، ولا أخذت مكانة مش بتاعتي.
أنا بنيت مكانتي بسنين من التعب والدموع والمسؤولية الحقيقية، مش بكلمتين حلوين وعلبة لبن في زيارة كل شهرين زي ما كنتِ بتعملي. فمن الأفضل لكِ، حفاظًا على ما تبقى من شكل قدام جوزك وأهله، إن الزيارات دي تكون مختصرة وفي حدود الأدب، وإلا ليا كلام تاني خالص مع أحمد ومحمود.
»منى بلعت ريقها بغضب شديد، ولم تستطع الرد أمام نظرة سارة القوية وحزم أحمد الواقف بجانبها. سحبت حقيبتها وقالت لمشهد الوداع الفاشل:ـ «مشينا يا محمود.. قعدتكم مفيهاش كرامة!»وخرج الاثنان في صمت مطبق. مرت الأيام، وبدأت منى تخطط لطريقة أخرى للانتقام أو لإثبات وجودها، مستغلة علاقتها ببعض أقارب العائلة لنشر شائعات سخيفة بأن سارة "استولت على البيت" وأصبحت تتحكم في الحاجة نادية وتفرض سيطرتها على أحمد وأخيه.
لكن الشائعات لم تدم طويلًا، لأن الحق أظهر نفسه سريعًا. الأقارب المقربون كانوا يعلمون جيدًا كم تحملت سارة وحدها طوال سنتين وتلات شهور، وكم تخاذل محمود ومنى وقت الشدة. في إحدى الأمسيات، تلقت سارة مكالمة غير متوقعة من رقم غريب، أجابت لتتفاجأ بصوت عم أحمد الكبير، الحاج إبراهيم، وهو رجل يُحسب له ألف حساب في العائلة لرجاحة عقله وعدله.
قال بصوت دافئ ووقور:ـ «ازيك يا بنتي سارة؟ سامع عن كل اللي بيحصل، وحابب أقول لك كلمتين في حقك.. إنتِ كنتِ نعم الست الأصلية في وقت الضيق، والكل هنا عارف قيمتك كويس، ومهما طلعت كلامات فاضية من ناس مريضة، فالدهب الأصيل بيطلع ديار النقاء لامع دايماً.
تسلمي يا بنت الأصول على اللي قدمتيه.»شعرت سارة بغصة فرح في حلقها، وابتسمت وعينيها تلمعان بالدموع قائلة:ـ «شكرًا يا عمي.. شهادتك دي عندي بالدنيا كلها، وأنا ما عملتش غير واجبي، بس للحق، الواجب ده اتعلمت منه كتير قوي.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.