رجعت مع إبراهيم الشقة الجديدة، وكان الانتقال ده بالنسبة لي بمثابة إعلان جمهورية استقلالي داخل بيتي. الشقة كانت أصغر شوية من القديمة وقريبة من الشغل بتاعي، بس الأهم إن حيطانها كانت هادية ورايقة، مفيهاش خبط على الباب في أي وقت، ولا صوت هبة أخت جوزي وهي جاية تفتش في الدواليب وتتدخل في اللبسة والأكل.
لأول مرة من أربع سنين، حسيت إن البيت ده بتاعنا إحنا الاتنين وبس، مش ملحق ولا استراحة لعيلة إبراهيم. في الأول، كانت الحياة مشدودة شوية. إبراهيم كان لسه بيعاني من تأثير صدمة أهله، خصوصًا إن أمه قاطعت كلامه تمامًا ومكانتش بترد على تليفوناته، وهبة كانت كل يوم تبعت له رسايل لوم وعتاب وتقوله *"نسيت أمك عشان خاطر ست الهانم مراتك، بكره تبيعك زي ما بعت أهلك"*.
بس أنا كنت حاطة خطة واضحة ومكنتش بتكلم في الموضوع خالص؛ كنت سايباه يكتشف لوحده إن البعد عن السم والتحكم هو اللي كان مخليه دايماً مأزور ومهموم. بعد مرور شهرين على القعدة الجديدة، وفي يوم خميس بالليل، كنت واقفة في المطبخ بعمل عشا خفيف، وإبراهيم كان قاعد على اللاب توب بتاعه بيراجع شغل خاص بمرتبه.
دخلت عليه بطبق الشاي وقعدت قدامه وأنا بقول بهدوء:— "إبراهيم.. بخصوص حسين أخوك.. أخباره إيه دلوقتي؟ سمعت إنه نزل يشتغل في ورشة ولا عمل إيه؟"إبراهيم رفع راسه من على اللاب توب، وبان على وشه مسحة خجل وقال بصوت هادئ:— "أهو.
. نزل اشتغل فعلًا مع راجل معرفة تبع واحد صاحبه، وقبضه أسبوعي. في الأول فضل مقاطعني وزعلان عشان مرضيتش أديه الثمانين ألف، بس لما لقى إن مفيش مفر وإن محدش هيديه حاجة على الساهل، اضطر ينزل يعتمد على نفسه."ابتسمت براحة وقلت له:— "شايف؟
الكلمة الطيبة والجدعنة مش إنك تقعد تكسل الشاب وتخليه عالة على الكل، الجدعنة بجد هي إنك تقف جنبه عشان يبني نفسه مش يهدمك أنت وبيتك."هز إبراهيم راسه بتأكيد، وقال وهو بيمسك إيدي ويبوسها بحب:— "عندك حق يا سمر.. أنا كنت مغمض عيني سنين طويلة وكنت فاهم البر غلط.
بيكي أنتِ بس بدأت أشوف الدنيا صح."بس الجو الهادي ده مكنش مقدر له يستمر طويلًا من غير مفاجآت عائلية من العيار الثقيل. في يوم الجمعة اللي بعده، واحنا قاعدين نفطر الصبح بهدوء، جرس الباب رن بصوت مزعج ومستمر.
بصينا لبعض باستغراب؛ إحنا لسه متأقلمدناش على العنوان الجديد ومحدش من أصحابنا أو قرايبنا يعرفه، ما عدا...قام إبراهيم وفتح الباب، وهنا كانت المفاجأة الكبرى!دخلت حماتي أم إبراهيم ومعاها هبة أخت جوزي، وشايلين شنط صغيرة في إيديهم كأنهم نازلين رحلة مصيف!
حماتي دخلت بملامح كلها غضب مصطنع وكبرياء قديم، وبصت للشقة ببرود وقالت:— "ايه يا إبراهيم؟ ساكن في الأوضتين دول وناسي أمك اللي ربتك وتعبت عليك؟ ولا الست مراتك هربتك مننا خالص؟"إبراهيم اتجمد في مكانه من الصدمة، وبص لأمه وقال بصوت مرטجف:— "أنا.. أنا يا أمي؟
أهلاً بيكي.. بس خير؟ في إيه؟ وجيتوا هنا إزاي وعرفتوا العنوان من مين؟"هبة دخلت ورا أمها وحطت إيديها في وسطها وقالت بحدة:— "عرفناه بالعافية.. هو إنت تقدر تخبي عننا حاجة يا خويا؟ وبعدين جاي تسأل في إيه؟
البيت اتخرب على دماغ أمك من عمايلك، وحسين تعب من الشغل ومرتب الورشة مش مكفيه، وأمي تعبت وجاتلها دوخة بسبب جفاك عنها.. فقلنا نيجي نقعد معاكم كام يوم لحد ما تعدل حالك وترجع زي الأول!"الكلمة نزلت على وداني زي الصاعقة.
مش عشان هما جايين يزورونا، دول جايين يعلنوا "احتلال جديد" للشقة وعودة نظام الوصاية والسرقة برضا إبراهيم!خرجت من المطبخ ببطء، ووقفت قدامهم وأنا برسم ابتسامة باردة جداً، وبصيت لحماتي اللي كانت بتكور عينيها في وشي وقالت لي بحدة:— "أنتِ بتضحكي باستهزاء يا سمر؟



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.