مالك بتبصي لي كده ليه؟ مش راحمة شيخوختي وجاية تقاطعي بين الابن وأمه؟"رديت عليها بصوت ثابت وهادئ يقطع النور:— "أهلاً بيكي يا حماتي.. منورة بيتي الصغير. بس للأسف الشقة هنا مش واسعة، ومفيش مكان لبيت أهله يقعدوا فيه بالشنط.
ده بيتي الصغير اللي بنيناه بدموعنا وتعبي، مش استراحة لكل واحد عايز يهرب من مسؤوليته!"حماتي اتجننت، وشها احمر جداً وضربت بعصاتها في الأرض وقالت بصوت يملأ الصالة صراخ:— "شايف يا إبراهيم مرتك بتطرد أمك من بيتك؟
شايف قليلة الأصل بتقولي إيه؟ يظهر إن الدرس اللي فات متعلمتهوش كويس!"هبة مسكت في الكلام وقالت بتطاول:— "طبعاً ما هي كسبت فيك الجولة، وخلتك تقاطع أهلك! بس لا يا حبيبتي، احنا مش ماشيين من هنا غير لما نعرف مين الكلمة ليه في البيت ده، ومين اللي بيمشي كلامه على التاني!
"إبراهيم كان واقف في النص، عيونه متسعة من الرعب والتوتر، وبيبص لي ومرة لأمه وأخته، وكان واضح إن جواه صراع قديم بيتحرك من تاني. بصيت لإبراهيم بهدوء، وسكتّ خالص مستنية أشوف رد فعله الحقيقي.. هل هيرجع للضعف والانهيار قدام دموع أمه، ولا هيقف لأول مرة ويثبت إنه بقى راجل بيته بجد؟
ساد صمت مهيب في الصالة، صمت ثقيل كأنه عاصفة تسبق الرعد. عيون حماتي وهبة كانت متوجعة ومستنية تشوف إبراهيم وهو بينكسر قدامهم كالعادة، وعيون إبراهيم كانت دايبة من التوتر والقلق، بيتحرك ببصره بيني وبين أمه وكأنه مش مصدق إن الكابوس عاد من تاني.
أخدت نفس عميق، ووقفت قدام إبراهيم، وحطيت إيدي بهدوء على كتفه وقولت بصوت هادي وواضح خلى الكل يسكت:— "اتفضل يا إبراهيم.. البيت بيتك، وقول لأمك وأختك القرار اللي يريح ضميرك. هل أنا ومراتي وبيتنا اللي اتعبنا فيه لينا حرمة، ولا هما صح في إن الشقة دي ملك للجميع وكل واحد يجي ياخد اللي هو عايزه وقت ما يحب؟
"إبراهيمبلع ريقه، وبص لأمه اللي كانت فاتحة دراعاتها ومستنية منه الكلمة المعتادة: *"حاضر يا أمي، انوروا البيت"*، لكن المرة دي.. إبراهيم مجمعش عيونه في الأرض. رفع راسه، وبص لأمه ولمراته، ولقيت العزيمة لأول مرة بتلمع في عينيه.
سحب إبراهيم نفس طويل، وبص لأمه بحزن مدمع بس بصوت صلب لا رجعة فيه:— "لا يا أمي.. سمر معاها حق."الكلمة نزلت على الصالة كالصاعقة! حماتي جحظت عينيها من الشدة، وهبة صرخت بصدمة:— "أنت اتجننت يا إبراهيم؟
! بتقول لأمك كده عشان مراتك؟!"كمل إبراهيم وهو بيمسك إيدي قدامهم بكل ثقة:— "أنا بحبكم يا أمي، وأنتِ على راسي من فوق، بس ده بيتي الخاص، وشقى مراتي وتعبها مش حقل متاح لكل من هب ودب. أنا جيت هنا عشان أعيش بكرامتي وأحمي بيتي ومراتي زي ما ربنا أمرني.
زي ما أنا بحترم بيتك يا أمي، لازم تحترمي بيتي أنا كمان."حماتي حطت إيديها على صدرها من الصدمة، وقالت بصوت متهدج:— "بقا ابن بطني يطردني من بيته عشان حتة ست؟! دانا دعوتي عليك هتوصل للسماء يا إبراهيم!
"وقالت هبة وهي بتلم شنطتها بعنف:— "ماشين يا إبراهيم.. ماشين! بس إعرف إنك بعت أهلك عشانها، وماتجيش تعيط بكرة لما تنفرد بيك!"خرجوا من الشقة وخبطوا الباب وراهم بصوت هده الحوائط، والصمت رجع تاني للمكان، بس المرة دي.. صمت الانتصار وراحة البال الحقيقية.
إبراهيم اترمى على الكنبة وتنهد تنهيدة طويلة كأن جبل اتحط من على كتافه، وبص لي وعينيه مليانة دموع الندم والامتنان وقال:— "تفتكري هيسامحوني في يوم؟ ولا أنا خسرت أهلي خلاص؟"قعدت جنبه، وحضنت راسه بحنان وقلت له بصوت دافئ:— "مخسرتش حد يا إبراهيم.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.