حكايات اسما 1

نُشر منذ يوم
حفظ
غلاف المقال

مرت سنة ورا سنة، وأنا بدور في السجلات القديمة، وبسأل المعارف، وبستعين بناس يساعدوني أوصل لأي معلومة عنه. لكن كل مرة كنت برجع بخيبة أمل جديدة. وعدت 31 سنة كاملة.31 سنة وأنا مش عارفة ابني عايش فين، ولا شكله بقى عامل إزاي، ولا حتى إذا كان يعرف إن أمه لسه بتدور عليه.

لحد ما في صباح يوم، وأنا في الشغل، حسيت بألم مفاجئ وشديد جدًا في بطني. الألم زاد بسرعة، لدرجة إني وقعت على الأرض ومقدرتش أقف. نقلوني المستشفى بسرعة، والدكاترة قرروا يدخلوني عملية جراحية طارئة. ولما فوقت، عرفت إن العملية نجحت، وإن الدكتور أنقذ حياتي.

وفي اليوم التالي، دخل الجرّاح اللي عمللي العملية علشان يطمن على حالتي. كان راجل في أواخر الأربعينات، ملامحه هادية، وبيتكلم معايا باهتمام وهو بيراجع ملفي الطبي. لكن وهو بينحني شوية ناحية السرير، ظهرت من تحت ياقة هدومه سلسلة فضة.

وفي آخر السلسلة كان فيه هلال صغير. اتجمدت مكاني. كنت أعرف الهلال ده كويس جدًا. نفس الشكل. نفس النقوش الصغيرة. وحتى العلامة الدقيقة اللي كانت موجودة على طرفه. حسيت إن قلبي هيقف. رفعت إيدي المرتعشة، وشاورت على السلسلة وسألته:

«إنت جبت الدلاية دي منين؟!»
بصلي باستغراب. فكملت وأنا مش قادرة أسيطر على دموعي:
«الدلاية دي أنا حطيتها في بطانية ابني يوم ما اتولد... من 31 سنة!»
وش الدكتور اتغير فجأة. رفع إيده ولمس الهلال اللي على صدره. فضل يبصلي لحظات طويلة، كأنه بيحاول يتأكد من حاجة.

وبعدين قرب الكرسي من سريري، وقعد قدامي. وسألني بصوت هادي، لكن نبرته كانت غريبة جدًا:
«هو أهلك عمرهم قالولك إيه اللي حصل لابنك بجد؟!»
وقتها حسيت إن فيه سر كبير اتخبّى عني طول السنين دي كلها...

وإن الحقيقة اللي كنت بدور عليها من 31 سنة، ممكن تكون أخيرًا وصلت لحد عندي. بصيت له وقلبي بينبض بجنون، وحاسة إن أنفاسي بتقف في صدري. الحروف كانت واقفة في زوري، ومش قادرة أنطق غير بكلمة واحدة مرتعشة:«قصدك إيه؟...

أهلي قالوا لي إن أبوه أخد الورق وسافر بيه، وإنهم ميعرفوش عنه حاجة!»الدكتور بص حواليه في الأوضة ببطء كأنه بيطمن إننا لوحدنا، وبعدين رجع بص لي بعيون مليانة حزن دفين ومزيج غريب من الشفقة والوجع، وقال بهمس كأنه بيخاف الجدران تسمعه:«أهلك ماكدبوش عليكي في حكاية السفر.

.. بس كذبوا في كل تفصيلة تانية يا أمي.»الجملة نزلت عليّ زي الصاعقة. حسيت برعشة سرت في كل مفاصلي، وعيني اتسعت وأنا بكرر بصوت مش مسموع:«أم... أمي؟! أنت بتقول إيه؟!»ابتسم بحزن ألم قلبي، وقال وهو بيقلع الجوانتي الطبي من إيده ويحطه على الترابيزة جنب السرير:«أنا كنت طفل عنده تسع سنين لما بدأت أفهم الدنيا حواليا.

كنت عايش في بيت كبير وجميل، وسط عيلة بيحبوني، وناس بينادوني "يا دكتور المستقبل". كان عندي أب وأم مربيني أحسن تربية، وكنت فاكر نفسي محظوظ أوي بيهم. لحد اليوم اللي لقيت فيه الصندوق القديم ده.

»سكت لحظة كأنه بيسترجع شريط طويل من الذكريات الموجعة، وتابع بصوت دافي بس مليان جروح قديمة:«في يوم وأنا بدور على كشكول رسم قديم في دالاب أمي، لقيت علبة قطيفة صغيرة. فتحتها، ولقيت جواها البطانية القديمة اللي كنت متلف بيها يوم ولادتي، ومعاها السلسلة دي.

.. وسلسلة أوراق قديمة مصففرة. من لقافة الأطفال، قعدت أقرأ الأوراق... كانت شهادة ميلادي الحقيقية، وصورة عقد إشهار طلاق، وأوراق تنازل ممهورة ببصمة إبهام بنت عندها 18 سنة... اسمك كان مكتوب بوضوح يا أمي: مريم.»دموعي نزلت زي الشلال، وكنت حاطة إيدي على بوقي علشان أمنع نفسي من الصراخ.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
👑 عضوية ذهبية
Rm

Romany mkram موثّق 👑 ذهبي ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
318مقالًا 2متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

حكايات زهره الربيع 2 روايات

حكايات زهره الربيع 2

فتحت الملف وأنا إيديا بتتراشف، الصدمة كانت لسه مسيطرة على كياني، وعقلي مش قادر يستوعب إن ا…

Romany mkram 0.0 10 دقائق