كمل كلامه ونبرة صوته بتهتز:«في اللحظة دي، الدنيا اتدمرت قدامي. عرفت إن الناس اللي كنت بحبهم وبأناديهم ببابا وماما، مش هما أهلي الحقيقيين! وعرفت إنهم مش بس أخدوني... دول اشتروني!»«اشتروني؟!» نطقتها بصراخ مكتوم وأنا بضرب على صدري من الوجع.
«أه يا أمي»، رد وهو بيمسح دمعة غصب عنه نزلت على خدّه: «أبوكي وأمك ماباعوش الأوراق لأبوه... أبوكي وأمك باعوني لراجل غني كان صاحب والدي بالتبني، راجل مراته مكنش بتخلف، وكانوا عايزين طفل ينسبوه لهم بأي ثمن.
أهلك راحوا اتفقوا معاه في السر بعيد عنك، واستغلوا صغر سنك وجهلك وخوفك، وخلوكِ تمضي على أوراق وهمية على أساس إنها لأبوه، لكن الحقيقة إنهم قبضوا ثمن طفلهم... قبضوا ثمن ضحكتي ودموعك!»حسيت إن السقف بيملي عليا.
يعني كل سنين العذاب دي، وكل ليالي الدموع، وكل السحلة في المحاكم وسؤال الناس، وكل وجع الفراق... مكنش سببه طليقي ولا ظروفي، كان سببه أبويا وامي اللي استكثروا عليا ابني، وباعوه عشان قرشين!«طي... طيب وأبوه؟» سألت بصوت منهار: «أبوه كان فين من ده كله؟
!»«أبوه»، قالها الدكتور وهو بيبتسم بسخرية مريرة: «أبوه مكنش يعرف حاجة عن العقد ده كله من الأساس. أهلك فهموه إنك اتنازلتِ عن الطفل نهائي وإنك سافرتِ وطلبتي إنه يختفي من حياتكم، وإن الطفل اترما في ملجأ أو اتبنى، وطفشوه وسفرّوه برا البلد عشان ميقدرش يلاحقهم قانوني!
الراجل سافر وهو مكسور ومنهي، ومات بعدها بسنين وهو مفكر إنك أنتِ اللي بعتِ ابنه برضاكي!»«لاااا!» طلعت الصرخة من جوفي هزت أوضة المستشفى كلها. حسيت إن روحي بتطلع مني. 31 سنة وأنا بلوم نفسي، وبعاقب روحي، وبتخيل إنني كنت أم ضعيفة مصلحتش أكون أم، وفي الآخر أهلي هما اللي باعوني؟
هما اللي سرقوا مني ح,,,,,,ووضن ابني أول ما اتولد؟الدكتور قام بسرعة من على الكرسي، وقعد على حرف السرير، وفتح دراعه الاثنين وضمني لصدره بقوة، ولأول مرة من 31 سنة، حسيت بدفى ابنِي، بحرارة جلده، بريحة روحه اللي كانت حتة مني.
شدد على حضني وبكى على كتفي وقال بصوت دافي ماليان حب عميق:«بطلِ عياط يا أمي... بطلِ وجع. أنا لقيتك أخيرًا. الدلاية دي فضلت على صدري طول عمري زي التميمة، كنت بحس إن فيه حد بيدعيلي في الغيب، وإن ليا أم حقيقية بتدور عليا...
والنهارده، ربنا جابك لحد عندي وأنقذتِ حياتي، عشان أنا كمان أرجع أعيش معاكي.»فضلت ماسكة فيه كأني بخاف يطير تاني. حضنته بكل ما أوتيت من قوة، وكل سنين البرد والوحدة والظلم كأنها سابت جسمي وراحت.
لكن وسط دموع الفرح والوجع المخلوطين ببعض، افتكرت حاجة خلتني أبعد عنه شوية وأبص في عيونه بخوف:«أهلي... أهلي يا بني... هما لسه عايشين... أنا... أنا مش قادرة أسامحهم على اللي عملوه فينا!»الدكتور بص قدامه بثبات ملامحه اتحولت للجدية والهدوء، وقال:«محدش طلب منك تسامحيهم يا أمي.
.. الحساب العسير لسه بيبتدي، واللعبة اللي لعبوها من 31 سنة، أنا هخليهم يدفعوا ثمنها غالي أوي... بس الأول، اطمني، أنتِ بقيتِ في حضني، ومفيش أي قوة في الدنيا تقدر تفرقنا تاني أبدًا.»



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.