مسكت إيد ابني بقوة وكأني بخاف يهرب مني تاني، بصيت في عيونه اللي ملامحها بقت تتكشف قدامي خطوة بخطوة، وكأن الزمن رجع بيا 31 سنة لوراء عشان أشوف فيه ملامح الشاب اللي حببته زمان، ملامحي أنا، وكمان ملامح الراجل اللي ظلموه. قلت بصوت مرتعش لكن مليان إصرار:«قصدك إيه يا بني؟
هتعمل إيه؟ أهلي... أبويا وأمي كبروا في السن، بس الكارثة اللي عملوها أكبر بكتير من أي عذر!»ابتسم الدكتور (الذي كشف لي الزمن أنه ابني وحبيبي، "أحمد") ابتسامة هادئة فيها لمعة تحدي، وقال وهو بيعدل قميصه:«ما تقلقيش يا أمي، أنا ما قاصدش أؤذيهم بشكل همجي، أنا دكتور وعارف القانون كويس.
بس الناس اللي يبيعوا ضناهم عشان قرشين، ويحرموا أم من ابنها 31 سنة، لازم يعرفوا إن الحق ما بيضيعش، وإن الدائرة بتلف مهما قعدت.»«بس هنعمل إيه؟» سألته وأنا حاسة برعشة خوف وقلق بتمس قلبي.
رد أحمد بثبات:«أول حاجة هنعملها، هي إننا نجمع كل المستندات والأوراق اللي لقيتها في الصندوق القديم. شهادة ميلادي الأصلية اللي متسجل فيها اسمك واسم والدي الحقيقي، وعقد التنازل الوهمي اللي أمك وأبوكي أجبروكِ تمضي عليه، وإيصالات التحويلات البنكية القديمة اللي لقيتها مع الأوراق، والتي تثبت إن "الراجل الغني" اللي تبناني دفع مبلغ كبير لأبوكي ساعتها مقابل إنه يشتري مني طفل رضيع!
»فتحت عيني على مصراعيها وأنا بقول بذهول:«إيصالات فلوس؟! يعني الموضوع كان بيع وشراء بجد؟!»«أكتر مما تتخيلي يا أمي»، كمل أحمد كلامه وهو بيفتح ملف على تابلت المستشفى ويوصله بسلك صغير، «الراجل اللي رباني -رحمه الله- مات من خمس سنين، وساب لي ورقة إقرار مكتوبة بخط إيده، بيعترف فيها بكل الحكاية، وإنه اشتراني من جدك وأبوكي بمبلغ كبير، وإنه كان عارف إن أمي الحقيقية مغصوبة ومغلوبة على أمرها، بس هو كمان كان أعمى بحب الطِفْل ومارضيش يرجعني خوفاً من إنه يفقدني.
. الورقة دي والشهود والمستندات اللي عندي كفيلة تدخلهم السجن بتهمة الاتجار بالبشر وتزوير الأوراق الرسمية!»حسيت ببرودة في جسمي كله. صحيح هما أهلي، وصحيح هما اللي ربوني، بس اللي عملوه فيا وفي ابني كان جريمة بكل المقاييس.
دموعي نزلت بصمت، وأنا باصم بالعشرة إن الحقيقة لازم تظهر، وإن الوجع اللي عشته تلاتة تلاتين سنة مش ممكن يمر مرور الكرام. قلت بصوت ضعيف بس حازم:«أنا معاك يا أحمد... اللي عملوه فينا دمر عمرنا، ولازم الكل يعرف الحقيقة.»تاني يوم، خرجت من المستشفى بس مش لوحدي.
خرجت وأنا ماسكة في إيد ابني، رايحة على البيت اللي اتشردت منه زمان. لما وصلنا، فتحت الباب بالمفتاح القديم اللي لسه معايا من سنين. أبويا (اللي بقى راجل عجوز سنه قرب على التسعين) وأمي (اللي كبرت وانحنى ظهرها) كانوا قاعدين في الصالون.
لما شافوني ومعايا راجل غريب، بصوا لي باستغراب وخوف. أمي قامت وقالت بصوت مهتز:«مريم؟! أنتِ جيتي... ومين الراجل ده؟!»أحمد تقدم بخطوات ثابتة وواثقة، وقف قدامهم، وطلع من جيبه ظرف كبير حطه على الترابيزة قدامهم ببطء، وفتح السلسلة الفضة اللي على صدره وظهر الهلال بوضوح.
بص لأبويا وقال بصوت هادي كأنه الرعد:«مساء الخير يا جدي... أو المفروض أقولك "البائع والمشتري"؟!»أبويا لون وشه خطف، وبص للظرف وللسلسلة، ووقع من إيده العصاية اللي كان متك عليها، وفتح بوقه كأنه بيحاول ينطق حرف واحد ومش قادر!



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.