أما أمي، فصرخت بصوت عالي وحطت إيدها على وشها وقالت وهي منهارة:«أحمد؟! مستحيل... إنتَ إزاي عرفت...؟!»«عرفت كل حاجة يا ست الكل»، قالها أحمد ونبرة صوته فيها قسوة خفيفة: «عرفت إني اتبعت في سوق الحيتان وأنا لسة حتة لحم حمراء، وعرفت إنكم دمرتوا حياة بنتكم عشان فلوس وسخ دنيا.
. الشنطة دي فيها كل الأوراق والإثباتات اللي هتخليكم تقضوا بقية عمركم في المكان اللي يليق باللي عملتوه.»أبويا حاول يقف، وبص لي بنظرة توسل وانكسار وقال بصوت مقطوع:«يا مريم... يا بنتي... كنا بنعمل كده مصلحتك... كنا...»قاطعته وصوتي بيترعش من كتر الغضب والقهر اللي جوه قلبي، ودموعي نازلة تحرق خدودي:«مصلحتي؟
! مصلحتي إنكم تبيعوا ابني وترموني في جحيم الشك والعذاب 31 سنة؟! مصلحتي إنكم تسرقوا مني حضنه وأول كلمة ماما قالها؟! مصلحتي إنكم تقتلوني كل يوم وأنا عايشة؟!»سكتُّ لحظة وأنا باصة لهم بنظرة أخيرة مليانة وجع، وبعدين مسكت إيد ابني أحمد وقلت له بصوت قوي:«يلا يا حبيبي.
.. إحنا مش هنقعد في المكان ده دقيقة واحدة كمان.. اللي بينا وبينهم مش كلام يتقال، اللي بينا وبينهم القانون وقاضي السماء والأرض.»خرجنا من البيت، وقفلت الباب ورايا بهدوء، وحسيت لأول مرة من 31 سنة إن الهوا اللي بشمه نقي، وإن ابني جنبي، وإن الليل الطويل أخيرًا انقضى وطلع فجره.
**ركبنا العربية، وأحمد حط إيده على إيدي بحنان وقال بصوت دافئ:«ارتاحي يا أمي، كل اللي جاي هيب2قى خير، وولا دمعة هتنزل من عينك تاني.»سندت راسي على الكرسي وأنا حاسة بسلام غريب بيغمر قلبي لأول مرة من تلاتة تلاتين سنة.
صحيح الصدمة كانت كبيرة، والوجع اللي سببه أهلي ميتحملهوش جبل، بس وجود ابني جنبي كان كفيل ينسيني أي مرارة عيشتها. في اليوم التاني، توجه أحمد لمكتب محاماة كبير، وبدأ التحرك القانوني الرسمي. بفضل المستندات الدامغة، وإقرار الأب بالتبني، وشهادات الإيداع البنكية، والشهود، النيابة أمرت بفتح التحقيق العاجل في قضية اتجار بالبشر وتزوير أوراق رسمية وانتحال صفة نسب.
الشرطة راحت البيت، وأخدت أبويا وأمي للتحقيق. المناظر كانت قاسية، وشفتهم وهما خارجين من البيت مكسورين، بس وجعهم ده ما كانش نقطة في بحر العذاب اللي عيشتوني فيه سنين عمري اللي ضاعت. لما وقفوا قدام النيابة، أبويا انهار تمامًا واعترف بكل حاجة، وقال وهو بيبكي بدموع التماسح:«كنت خايف على مستقبل بنتي، الراجل الغني عرض علينا مبلغ كبير، وقال هيسفره ويربيه في عز ورفاهية.
.. طمعنا يا سيادة القاضي، الشيطان ضحك علينا!»القاضي بص له بقرف وقال بحزم:«الشيطان ما بيجبرش حد يبيع ضناه! أنتم ارتكبتوا جريمة بشعة بحق طفل لا ذنب له وبحق أم مظلومة.»صدر القرار القضائي بتأجيل النطق بالحكم لجلسة نهائية، بس الأوراق كلها كانت واضحة وضوح الشمس، ومبقاش فيه أي مجال للهرب.
وبينما كانت القضية ماشية في مجراها القانوني، أحمد أخدني معاه لبيته. لما دخلت شقته، لقيت أوضة كاملة مجهزة بكل حب، وعلى السرير فيها صورة قديمة ليا وأنا شايلته أول ما تولد (كان واخدها من أوراق التحقيق القديمة اللي سابها أبوه بالتبني)، وحاطط جنبها دلالة الهلال الفضة اللي كنت حطيتها في بطانيته يوم ولادته.
دموعي نزلت، بس المرة دي دموع فرحة صافية. بصيت لأحمد وقلت بصوت غلبان:«يا بني... أنت زعلان من اللي عملناه فيهم؟ هما في النهاية مهما عملوا أهلي وأجدادك.»أحمد قرب مني، وباس راسي بحب وقال:«أنا مش زعلان غير على السنين اللي ضاعت من عمرنا إحنا الاتنين يا أمي.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.