أما هما، فالعقوبة مش انتقام، دي عدالة ربنا في الأرض. الإنسان لازم يدفع ثمن خطيئته وقسوته.»عدت الأيام، وفي يوم الجلسة النهائية، وقفنا أنا وأحمد قدام قاعة المحكمة. القاضي نطق بالحكم العادل اللي رد لنا جزء من كرامتنا اللي إتدهست سنين طويلة.
لما طلعنا من المحكمة، الهواء كان طلق وجميل. أحمد مسك إيدي وبص لي بابتسامة واسعة وقال:«كفاية لحد كده يا أمي... افتحي صفحة جديدة، أنا عازمك على أحلى فسحة، ورايحين نشتري كل اللي نفسك فيه، لأن عندي ليكي مفاجأة تانية خالص في البيت!
»سألته باستغراب وسعادة: «مفاجأة إيه تاني يا حبيب أمك؟ يكفيني إنك رجعت لي بالدنيا وما فيها!»ضحك وقال بغمزة لطيفة: «لما نروح هتعرفي بنفسك!»ركبنا العربية وأنا قلبي بيدق بسرعة، مش من الخوف زي كل مرة، لا، دي دقات شوق وفرحة حقيقية كأن لسه عمري بيتبدأ من جديد.
طول الطريق وأنا باصة لأحمد وهو سايق، وبحمد ربنا ألف مرة إنه عوضني بيه بعد كل سنين المرار والظلم. وصلنا البيت، ونزلت معاه وأنا كلي حماس أعرف إيه المفاجأة اللي مخبيها. فتح الباب، وأول ما دخلنا، لقيت الصالون مزين بالورد والأنوار الهادية، وواقفة قدامنا ست طيبة في أواخر الخمسينات، وشعرها فيه خصلات بيضاء بتزيدها وقار، وفي عيونها دمعة فرحة واضحة.
بصيت لأحمد باستغراب، فابتسم وقال بحنان:«يا أمي، دي "فاطمة"، الست الطيبة اللي ربتني مع الأب اللي تبناني، واللي كانت أماني وحضني الدافي طول سنين طفولتي، واللي من أول لحظة عرفت فيها حكايتي الحقيقية، وهي بتشجعني أدور عليكِ، وكانت دايماً تدعي ربنا يجمعني بأمي الحقيقية.
»قربت مني الست فاطمة بخطوات واسعة، وفتحت دراعاتها، ومن غير تردد دخلت في حضنها وأنا بعيط بصوت عالي، مش عياط حزن، ده عياط امتنان وسلام. مسكت وشي بين إيديها وقالت بصوت دافي يملى القلب طمأنينة:«ألف حمد الله على سلامتك يا مريم.
.. أحمد كان كل يوم يحكي لي عن أمه اللي بيدور عليها، وكنت دايماً أقوله إن ربنا أرحم بكتير من إنه يضيع تعبك وسنين صبرك. أنتو الاثنين تستاهلوا كل خير.»قعدنا كلنا حوالين الترابيزة، وشربنا الشاي، وكأننا عيلة واحدة جمعها القدر بعد عاصفة طويلة من الألم.
أحمد بص لي وقال بجدية وابتسامة واسعة:«عارفة يا أمي؟ أنا فتحت عيادة خاصة هنا، وقررت أستقر جنبك نهائي، لا سفر ولا غربة تاني، ولازم تعوضي كل لحظة حرمان عيشتيها لوحدك.»حسيت إن الدنيا مش واسعاني من الفرحة.
بصيت لأحمد، وبعدين لفاطمة، وحمدت ربنا اللي رد لي ابني وحضنه وضحكته اللي كانت غايبة عني تلاتة تلاتين سنة. مرت الأيام، وبدأت أنا وأحمد نعيش الحياة اللي سرقوها مننا زمان. الأيام صفت، والجروح التأمت، وبقى كل يوم جديد هو عيد لينا إحنا الاتنين.
عرفت وقتها بجد إن مهما طال الليل وظلم، فجر الحق لابد يطلع، وإن دعوة الأم المظلومة ملهاش حجاب، وإن ربنا سبحانه وتعالى دايماً بيشيل لنا الأجمل، حتى لو طريق الفرحة خد عمر بحاله.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.