سند عصايته وكمل طريقه، وسابني واقف مكاني كأن كلامه كان طوق نجات أخير، بس فى نفس الوقت كان علامة سودة على قلبي. بعدها بشهرين تقريباً، وصلني خبر من العيلة إن شروق جالها عريس محترم، شاب ابن ناس ومتربي، شافها وشاف أخلاقها وطيبتها، واتقدملها رسمي، وهي وافقت وبدأت تجهز لفرحها، وإن أبوها كتب لها الشقة كهدية تانية تليق بكونها بنت أصل مصانتش غير كرامتها.
أما أنا.. فقعدت فى غرفة أهلي، بشتغل ليل نهار عشان أحاول أصلح اللى أقدر أصلحه فى حياتي، وفهمت متأخر أوي، إن الإنسان لما بيبيع أصله عشان طمع الدنيا وعِشرة رخيصة، بيبقى خسر نفسه قبل ما يخسر أى حد تاني.
شروق بَنت حياتها من جديد ولقيت اللى يصونها، وأنا فضلت قاعد على ركام أخطائي، أعد خسائري، وأعرف متأخر إن "الظلم ليلته قصيرة، وإن دعوة المظلوم ملهاش حجاب".## الجزء الرابع (قبل الأخير)الوقت كان بيمر، وكل يوم بيعدي كان بيثبت لي إن اللى عملته فى نفسي مكنش مجرد غلطة عادية، ده كان دمار شامل بنيته بايدي.
كنت قاعد فى الأوضة الضيقة اللى خصتهالي أمي فى بيت العيلة، بصوت التليفزيون اللى شغال فى الصالة وصوت أمي وهى بتكلم نفسها بنبرة الندم والتحسر على اللى وصلنا له. خالتى قطعت علاقتها بينا خالص، وبنتها "هنا" اتجوزت شاب تاني بعد الحكاية دي بشهرين، كأنها كانت بتجري تبعد عن عيلة كلها مشاكل وطمع.
أما أنا، فبقيت عايش زي الظل.. بطلع على الشغل وأرجع منه، عيوني فى الأرض، ومش قادر أبص في وش أي حد من جيراننا ولا قرايبنا. وفى ليلة، كنت قاعد على قهوة الحارة اللى تحت بيتنا، بشرب شاي بمرارة، ولقيت واحد من ولاد عمي جاي ناحيتي وماسك في إيده دعوة فرح فخمة، شكلها غالي أوي.
وقف قدامي وابتسم ببرود وقال: * مبروك يا رومانى.. العريس بعتلك الدعوة دي بالذات، وقال لازم توصلك بنفسها. بصيت للكرت بإيد مرتعشة، فتحته ولقيت اسم "شروق" مكتوب جنب اسم عريسها الجديد.. مهندس محترم من عيلة كبيرة ومعروفة فى البلد. الكلام كان نازل عليا كأنه صاعقة.
حسيت بغصة فى حلقي، وسألت بصوت منخفض: * والفرح امتى؟ * الخميس اللى جاي، فى أكبر قاعة فى البلد، وعمى عازم العيلة كلها عشان يفرح ببنته اللى ربنا عوضها باللي يحترمها ويصونها. مشى وسبني قاعد لوحدي، والدعوة فى إيدي كأنها ولعة بتلسع أصابعي.
فى اللحظة دي، حسيت بنار الغيرة والندم بتأكل فى قلبى. شروق اللى كنت مستخصر فيها الكلمة الحلوة، واللى طردتها فى يوم ليلة بشنطة هدومها وهي مكسورة، راجعة تلبس الفستان الأبيض من تاني، بس مع راجل تاني.. راجل هيدلعها ويعرف قيمتها، مش واحد أحمق ضحك عليه طمع أمه وغروره.
رجعت البيت وأنا تايه فى أفكاري، لقيت أمي قاعدة بتعيط لوحدها فى الصالة. بصت لي وقالت بصوت منكسر: * سامحني يا رومانى.. أنا اللى ضيعتك وضيعت بيتك بطمعي.. أنا اللى زينت لك الشيطان. قعدت جنبها، ول لأول مرة من سنين طويلة، حسيت بالشفقة عليها مش بالغضب.
مسكت إيدها وقلت بصوت متهدج: * ما عادش ينفع الندم يا أمي.. اللى كسرنا انكسر خلاص، وأنا اللى اخترت طريقي. تاني يوم، حسيت بإحساس غريب.. إحساس بيدفعني أني لازم أكون موجود قدام القاعة يوم الفرح. مش عشان أنكد عليهم ولا عشان أعمل مشاكل، العياذ بالله، عمي وعريسها لو شافوني هيطردوني، بس إحساس خفي كان بيقولي: "روح شوف نهايتك.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.