— ممكن أشيل آدم؟ قالت: — استنى، هساعدك. شالته بحرص وحطته في حضني. كنت خايف أتحرك. خايف أضايقه. خايف حتى أتنفس بصوت عالي. بصيت لوشه الصغير. وقلت: — أنا آسف يا حبيبي. مراتي دموعها نزلت. كملت وأنا ببص لابني: — آسف إني مكنتش موجود أول ما جيت الدنيا. وآسف إني سيبت مامتك لوحدها.
رفعت عيني لمراتي. — وآسف إني خذلتكم كلكم. مسحت دموعها. لكنها مقالتش حاجة. فضلت معاهم ساعتين. ساعتين حسيت فيهم بسعادة عمري ما حسيتها وأنا بمضي عقود بمليارات. لما جه وقت أمشي، بصيت لمراتي. قلت: — ممكن أسألك سؤال؟ ردت: — اتفضل.
— إنتِ لسه بتحبيني؟ وشها اتغير. بصت بعيد. وسكتت شوية. وبعدين قالت: — الحب مش زرار بنطفيه وقت ما نتوجع. قلبي دق بسرعة. لكنها كملت: — أنا لسه عندي مشاعر، ولسه فاكرة أيام حلوة كتير بينا… بس ده مش معناه إني قادرة أرجع. قلت بسرعة: — أنا مستعد أعمل أي حاجة.
هزت راسها. — أنا مش عايزاك تعمل حاجة علشان تكسبني. أنا عايزاك تتغير علشان نفسك وعلشان ولادك. قلت: — طب اديني فرصة. ردت بحزن: — إنت أخدت فرص كتير، وأنا كنت بسامح من غير ما تعرف إني عارفة. سكتت لحظة. — دلوقتي أنا محتاجة أعيش من غير خوف ومن غير كدب.
بصيت للأرض. قالت: — ولو ربنا كاتب إننا نرجع، يبقى الرجوع يكون بعد ما الثقة تتبني من جديد، مش علشان إنت ندمان يومين. هزيت راسي. — فاهم. لكن الحقيقة إني كنت لأول مرة أفهم معنى الخسارة. عدت شهور. التحقيقات في قضية الشركة استمرت.
وبعد فحص المستندات، اتأكدت مخالفات مالية وتزوير في بعض العقود، واتحالت الوقائع للمحكمة. أما قضية وفاة حمايا، فاتفتحت فيها تحقيقات جديدة بعد ظهور أدلة وشهادات إضافية. مكنش فيه حكم نهائي وقتها يثبت إن الحادث كان مدبر، لكن مجرد إعادة فتح الملف كانت خطوة مراتي مستنياها من عشر سنين.
وفي يوم، اتصلت بيا. رديت بسرعة: — ألو؟ قالت: — عندي خبر حبيت تعرفه. قلبي اتقبض. — خير؟ — التحقيقات وصلت لشاهد جديد كان موجود قريب من مكان الحادث. سألتها: — وقال إيه؟ ردت: — قال إنه شاف عربية بتلاحق عربية أبويا قبل الحادث، وقدم معلومات ممكن تساعد في تحديد أصحابها.
قلت: — الحمد لله… إن شاء الله الحق يظهر. سكتت لحظة. وبعدين قالت: — شكرًا إنك ساعدت في تسليم كل الأوراق، رغم إن بعضها كان ممكن يسبب مشاكل لشركتك. رديت: — ده أقل حاجة أعملها. قالت: — المهم إن الحقيقة تظهر.
وبعد شهور من الإجراءات، صدر حكم في قضية الاحتيال والتزوير المالي ضد نائبي وعدد من المتورطين، واتثبتت حقوق الشركة في العقود محل النزاع. أما قضية الحادث، ففضلت منفصلة لحد ما استكملت التحقيقات. وفي النهاية، ظهرت أدلة إضافية أثبتت تورط أشخاص في تدبير الواقعة، وكان من بينهم نائبي السابق.
يوم ما مراتي عرفت نتيجة القضية، راحت تزور قبر أبوها. طلبت مني أوصلها. وافقت. وقفنا قدام القبر. كانت ماسكة ورد أبيض. قالت وهي بتعيط: — حقك ظهر يا بابا… بعد عشر سنين. وقفت بعيد شوية، وسِبتها تاخد وقتها.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.